أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
236
التوحيد
دعاه ومطيع له فيما أمره ، ومن ذلك وصفه فقد عبده ، ومن عبد الشيطان فهو كافر ، ولا قوة إلّا باللّه . ومنهم من يسميه مشركا ، لا كافرا ، إنما صار إلى ما صار بالفعل لا بالقوة ، وقد قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] ، فجعل في العمل شركا ، وكذا تسمية أهل الشرك بما أشركوا في العبادة غير اللّه ، وذلك معنى قوله : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 106 ] ، وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 - 116 ] ، وقد بينا إنما يغفر من الذنوب هي التي كانت على الخطأ أو الإكراه كما جاء به الكتاب ، ولا قوة إلّا باللّه . ومنهم من قسّم الذنوب قسمين : فجعل منها صغائر تغفر باجتناب الكبائر وبالعفو بالجزاء ، ونحو ذلك على اختلاف أقاويلهم ، وهو قولنا في ألا يجوز إخراج صاحبها من الإيمان ، وفاسد مع الإيمان الخلود في النار ؛ لما يوجب الخلف في الوعد بقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، وما جاءت به الآيات ، فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ، والوعد في ذلك . ثم الذي يمنع اسم الكفر في الحقيقة والشرك أوجه : أحدها أمر اللّه نبيّه أن يستغفر له وللمؤمنين والمؤمنات ، ثم لا يحتمل الأمر به على إثبات كفر أو شرك بقوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] ، وبما أمره أن يستغفر للمؤمنين ، ومحال يأمره بالاستغفار باسم الإيمان ، وهو عنهم زائل ؛ لأنه يوجب الكذب ، ثم قد حذّره اللّه عن الاستغفار لأهل الشرك بما ذكرت ، ولأهل النفاق بقوله : سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [ الفتح : 11 ] ، وقوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] ، ونهيه إياه عن الصلاة ، فثبت أن أولئك الذين أمرهم بالاستغفار هم أهل الإيمان في الحقيقة . ثم لا يحتمل أن يؤمر بالاستغفار ولا ذنوب لهم ، أو كانت مغفورة لهم ؛ لأن الاستغفار هو طلب المغفرة ، وطلبها لمن قد غفر له كتمان نعمة الغفران ، وذلك كفران النعمة ، بل حق ذلك الشكر والحمد ، وما لا ذنب له ثمة فيخرج طلب المغفرة مخرج كفران العصمة ، والسؤال أن لا يجوز ؛ إذ تعذيب مثله في حكمه جود ، ثم لا يحتمل أن يكون رسول اللّه والملائكة يستغفرون لمن أمروا به ، ثم لا يجابون ، فيثبت بهذا أن لا يزول اسم الإيمان لكل ذنب ، وأن من الذنوب ما ليس بمغفور ، يغفر بالتوبة عنه ؛ إذ ليس في استغفار غير المذنب توبة . وفي ذلك نقض على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان بكل ذنب ليس بمغفور لصاحبه حتى يستغفر ، ونقض على الخوارج بما ذكرنا ، واللّه أعلم .